خاطرة عن الآية رقم 23 من سورة يوسف - قصة إمرأة العزيز وسيدنا يوسف عليه السلام.
من بعد أعوذ باللـه من شياطين الإنس والجن وقرناء السوء وأتباعهم أجمعين إلى يوم الدين، ومن بعد الصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد اللـه عليه الصلاة والسلام، السلام عليكم ورحمة اللـه وبركاته. أرغب في تقديم خاطرتي هذه لأنني أتذكر وأنا في الصفوف الإبتدائية غاب عن حِصَتِنا مُرَبِي الصف فحضر عندنا أستاذ غيره لتعويض الحصة مكانه، ففي تلك الحصة قرأ لنا هذا الأستاذ سورة سيدنا يوسف وفسَّرَها لنا بطريقة مؤثرة وبقيت قصة سيدنا يوسف وكلمات ذلك الأستاذ راسخة في ذهني حتى يومنا هذا (أي في ذاكرتي طويلة المدى (لطلبة مساق تفاعل الإنسان مع الحاسوبLong Term Memory )). وعندما كبرت وبدأت أتدبر كتاب اللـه عز وجل وصلت إلى ما يلي من فهم وإدراك وتدبر لما جاء في الآية رقم 23 من سورة سيدنا يوسف عليه السلام.
فيما يلي نص الآية رقم 23: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)).
دعونا نتدبر سوياً الآية رقم 23 من سورة سيدنا يوسف عليه السلام: كما نعلم أن إمرأة العزيز لم تنجب ولد لسبب ما ( لا أريد أن أخوض في أسباب ذلك) فعندما إشترى العزيز سيدنا يوسف قال لإمرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. فكان يوسف صغيراً ورَبَّتْهُ إمرأة العزيز في بيتها وراقبت نموه وجمال خَلْقِهِ يوم بيوم وكان سيدنا يوسف جميل جداً للغاية وكما روت السِيَّر السابقة وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام أن اللـه سبحانه وتعالى أعطى سيدنا يوسف شطر الحسن والجمال وأعطي الشطر الآخر لما تبقى من خلق رب العالمين. فتخيلوا كم كان سيدنا يوسف جميلا في خَلْقِهِ وخُلِقِه. وعلى فكره الجمال يختلف من شخص لآخر في دقة الخلق أو مثلاً في البياض او في خفة الدم (الروح) او في لون العينين ... إلخ وربما أصغر في الدقة من النانو مليميتر( بما معناه اصغر من 1 على 1000000000(ألف مليون) من المليميتر) وربما أدق وأصغر من ذلك.
كَلِمَة وراودته تُذَكِرُني بمراودة الأسد لفريسته من مكان لآخر (يتلبد، يختبئ، يمشي بهدوء وسكون حتى لا تُسْمَع حركته وتنتبه له الفريسة، ويتحين الفرص المناسبة للإنقضاض عليها ... إلخ حتى ينال منها) وهنا في هذه الآية تعني المراودة المحاولة لأكثر من مره في أكثر من موقف من إبداء الرغبة الجنسية الجامحة والمتعطشة والشديده من قبل إمرأة العزيز في قضاء حاجتها من سيدنا يوسف عليه السلام بل ومحاولة إغرائه للوقوع في الرغبة فيها ... إلخ تارة بالترغيب والإغراء وتارة أخرى بالترهيب. وهنا لا بد أن نُنَوِه أن اللـه سبحانه وتعالى لا يفضح عباده بل يستر عليهم فقد كان قوله واضحاً (التي هو في بيتها: إنتبهوا الى –هو- لم يذكر إسمه وفي – بيتها - ولم يذكر إسمها) ولم يذكر وصفه ولا وصفها إنما قال التي هو في بيتها. وتتجلى هنا أيضاً قمة المخاطبة الإلهية الأدبية فقال اللـه تعالى ... عن نفسه ... والمعنى واضحاً (أي أن يواقعها جنسياً حيث هاج بها هائج الغرام ودعته إلى نفسها دعوة لا هوادة فيها وصارحته بالأمر بكل وضوح ربما كانت سابقاً غير واضحة في إظهار رغبتها الجنسية به كما هي واضحة الآن).
وغَلَّقت الأبواب (كلمة غَلَّقت مشددة أي غلقت الأبواب جميعها المؤدية الى غرفة نومها ولا يهمنا هنا كم عدد الأبواب، الواضح أنه كان أكثر من باب تم إغلاقها بالمغاليق وغيرها من أدوات الإغلاق أي إحتاطت للأمر بتخطيط وتدبير وتفكير الإنسانه التي مهما يكن عندها من قدرات فاللـه أقدر منها وكما قال اللـه في الآية رقم 30 من سورة الأنفال (﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّـهُ وَاللّـهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(30) ) لِيُحْكَمْ الإغلاق حتى لا يستطيع الخروج أو الهروب ( وهنا لا أريد أن يزاود علي أحد في أنه يجب أن أكون متحفظاً في كلامي هذا أكثر في تدبري لهذه الآية) ولكن التوضيح لما جاء في كتاب اللـه لا بد أن يكون واضحاً وهذا ما طالبه منا رب العزة والجلالة في الآية رقم 82 من سورة النساء (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(82)).
بعد ذلك نأتي إلى قول اللـه تعالى ... هَيْتَ لك ... وهذه تعني أنها حَضَّرَت له نفسها بما معناه كما تُحَضَرْ العروس ليلة زفافها لعريسها من تجميل وتعطير ولباس ... إلخ، كما وهيأت وحَضَرَتْ له في غرفة نومها كل ما هو مناسب من المغريات وكما يقولون في هذه الأيام الجو الرومانسي ... إلخ. فماذا أجاب سيدنا يوسف عليه السلام كما تنص الآية قال: ... معاذ اللـه ... ( أي طلب العون من اللـه ليمنعه ويعصمه من الوقوع في مثل هذا الفعل وأن ينقذه من هذا الموقف الرهيب) تخيلوا يا قُرَّائِي كم في هذا الموقف من الصعوبة بمكان لشاب في عنفوان شبابه (في سن المراهقة) كامل القوى العقلية والجسمية والغريزية والجنسية ولا أحد يستطيع أن يطعن بقدرات ورغبات سيدنا يوسف الجنسية وما عنده من الغريزه لأنه كان مهيئأ ليكون نبياً فصفاته الخلقية والعقلية والجسمية والغريزية والجنسية كاملة - فدعونا نقول كغيره ممن في عمره من الذكور في ذلك الزمان، وأمامه مَنْ؟ السيدة زُلَيْخا إمرأة عزيز مصر والتي بيدها الأمر والنهي وكانت كما تقول السِيَّر من أجمل نساء مصر ومن أثراهم، وفي أي وضع؟ وضع العروس ليلة زفافها (ولا تنسوا أنها متزوجه وعندها خبرة في الزواج مع زوجها لعدد من السنين (لأننا نعلم أنه ما كان لها ولد ولهذا قال العزيزلها أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً... إلخ كما أسلفنا سابقاً)).
ومن يقدر على مقاومة هذه الإغراءات والرغبات الجنسية الجامحة والهائجة عندها بكل ما في هذه الكلمات من معاني، حيث كانت تراوده بإستمرار (وهي التي ربته وهو صغير وكبر وترعرع بين يديها وعرفت خفايا جمال جسمه) وكانت تُخَطِط وتُدَبِر وتنتظر منذ سنوات لهذه اللحظات للإنفراد به وقضاء وإشباع حاجتها الغريزية منه ... إلخ. والذي دفعها إلى ذلك وضعها النفسي ليس لديها ولد وربما أسباب أخرى ( لا أريد الخوض فيها) ولما عند سيدنا يوسف من مغريات عنفوان الشباب والكمال في الخَلْقِ والخُلُق والجمال والحسن وقد رزقه اللـه شطر حسن وجمال الكون كما أسلفنا).
نعود لتدبر للآية : في هذا الوضع وهذا التصوير من المشاهد الرهيبة ماذا قال سيدنا يوسف عليه السلام؟ وكيف تصرف؟ ... قال معاذ اللـه إنه ربي أحسن مثواي (كلمة ربي تعني هنا عزيز مصر بمعنى سيدي وبالفعل عزيز مصر زوج زُلَيْخا أحسن تربيته ورعايته في منزله من كل ناحية، وإذا أخذنا المعنى الآخر ربي بمعنى اللـه – أي أحسن اللـه مثواه بأن سَخَّرَ له عزيز مصر ليربيه ويرعاه في منزله) ... نتابع الآية : ... إنه لا يفلح الظالمون (الظلم معناه وضع الشيء في غير مكانه أو إعطاء الشيء لغير مستحقيه، وكأنه يقول وكيف لي أن أفعل هذا الفعل الذي لا ترضى عنه النفس البشرية وأسيء وأخون من أحسن مثواي من تربية ورعاية ... إلخ وفي من؟ في زوجه، وبذلك أكون قد خُنْتُ اللـه ربي أولاً و خُنْتُ العزيز ثانياً ولم أحسن له كما أحسن لي ولا تنسوا أن اللـه يقول في سورة الرحمن في الآية رقم 60 (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴿60﴾ ). ونتابع االتوضيح: وكأنه يقول أريد أن أكون ممن يرضى اللـه عنهم وأكون من المفلحين الذين يفوزون بالجنة.
وكما قال رسولنا عليه الصلاة والسلام - عن أبي هريرة رضي اللـه عنه عن النبي صلى اللـه عليه وسلم قال : " سبعة يظلهم اللـه في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل وشاب نشأ في عبادة اللـه، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في اللـه اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف اللـه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر اللـه خالياً ففاضت عيناه " متفق عليه. وهنا أركز في هذا الحديث على ... ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف اللـه ... . ولا بد أن نعترف هنا بأن هذا الأمر إذا فُضِحَ سوف لا يكون سهلاً لا على عزيز مصر ولا على إمرأة العزيز وهي سيدة مصر الأولى في ذلك الزمن وكل نساء مصر كانوا يطلبون ودها ورضاها ويتقربون منها الا أن أمر سيدنا يوسف معها كان أمراً إلهياً وليس طبيعياً كما ستوضحه خواطري في الآيات التي تلي هذه الآية من هذه السورة. ومن يقدر على رفض هذا العرض بمثل هذه المواصفات من شباب اليوم الاَّ من رَحِمَ ربي، اللهم إجعلنا ممن ينطبق عليهم هذا الحديث وفقاً لما جاء في هذه الخاطرة، اللهم آمين لأنه لايسوى الإنسان شيء بدون مبادئ سامية وأخلاق ورزانة عقل وشرف والشرف هو أغلى ما يملكه الإنسان. والى لقاء آخر في خاطرة الجزء الثاني بإذن اللـه. واللـه من وراء القصد، بقلم الأستاذ الدكتور بلال ابوالهدى خماش، الجمعة الموافق 25/10/2013.
| روابط هذه التدوينة قابلة للنسخ واللصق | |
| URL | |
| HTML | |
| BBCode | |





0 التعليقات:
إرسال تعليق